السيد علي عاشور
94
موسوعة أهل البيت ( ع )
الله وتجبر وأنكر ربوبيته ، فسلط الله عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته وهي البعوض فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فقتلته . واعلم أنا لو وقفنا على كل شيء خلقه الله لم خلقه ولأي شيء أنشأه لكنا قد ساويناه في علمه ، وعلمنا كل ما يعلم واستغنينا عنه وكنا وهو في العلم سواء . قال : فأخبرني هل يعاب شيء من خلق الله وتدبيره ؟ قال : لا . قال : فإن الله خلق خلقه غرلا ، أذلك منه حكمة أم عبث ؟ قال : بل حكمة منه ؟ قال : غيرتم خلق الله وجعلتم فعلكم في قطع القلفة أصوب مما خلق الله لها وعبتم الأقلف « 1 » ، والله خلقه ، ومدحتم الختان وهو فعلكم ، أم تقولون : إن ذلك من الله كان خطأ غير حكمة ؟ ! قال عليه السّلام : ذلك من الله حكمة وصواب غير أنه سن ذلك وأوجبه على خلقه ، كما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه كذلك خلقها الحكيم ، فأمر العباد بقطعها وفي تركها فساد بين للمولود والأم ، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم ، وكان قادرا يوم دبر خلقة الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول ، وكذلك الشعر من الشارب والرأس يطول فيجز ، وكذلك الثيران خلقها فحولة وإخصاؤها أوفق ، ليس في ذلك عيب في تقدير الله تعالى . قال : ألست تقول : يقول الله : ( أدعوني أستجب لكم ) وقد نرى المضطر يدعوه فلا يستجاب له ، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره . قال عليه السّلام : ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له ، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه ، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه ، وادخّر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه ، وإن لم يكن الأمر الذي سأل العبد خيرة له إن أعطاه أمسك عنه ، والمؤمن العارف بالله ربما عز عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ ، وقد يسأل العبد ربه إهلاك من لم ينقطع مدته ، ويسأل المطر وقتا ، ولعله أوان لا يصلح فيه المطر لأنه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه ، وأشباه ذلك كثيرة ، فافهم هذا . قال : فأخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد ، ولا يصعد من الأرض إليها بشر ، ولا طريق إليها ولا مسلك ؟ فلو نظر العباد في كل دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية ، وأنفى للشك ، وأقوى لليقين وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا ، إليه يصعد الصاعد ، ومن عنده يهبط الهابط ! قال عليه السّلام : إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء ومنها ما يظهر ، أما
--> ( 1 ) هو الأغلف .